صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
8
تفسير القرآن الكريم
المركبات بمداد بحور المواد وقلم العقل الجواد . ولما تمت له كتابة الجميع على التحقيق وحصل منها فذلكة حساب الجمع والتفريق أمرنا بمطالعة هذه الحكمة العتيقة الإلهية وقراءة هذه الآيات البينات الربانية ، بقوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ 73 / 20 ] وبقوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ 96 / 1 ] وبقوله : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ 7 / 185 ] وحيث كنا في ابتداء الامر ضعفاء الأبصار كما قال : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً فلم تصل قوة أبصارنا إلى أطراف هذه الأرقام وأكناف هذه الكلمات العظام لتباعد حافاتها وتعاظم حروفها وكلماتها فتضرعنا تضرعا جبليا اليه ، واطرحنا أنفسنا بين يديه ، راغبين بما لديه ، قائلين بلسان استعدادنا : « الهنا وهادينا وغاية غاياتنا ومبدأ مبادينا ، ارحم على قصورنا وأجبر فاقتنا وكسورنا ولا تؤيسنا عن روحك ورحمتك ، ( رحماتك - ن ) واهدنا سبيلا إلى مطالعة كتبك وكلماتك » . فتلطف بنا بمقتضى حكمته الكاملة وقدرته البالغة فأعطى لنا نسخة منتخبة من آثار رحمته الإلهية وأسرار كتبه وكلماته الربانية ، ثم قال : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ 51 / 21 ] فأيّدنا بقوة إكرامه ، وجعل بصر بصيرتنا حديدا بنور الهامه ، فبعث منا نفوسا مقدسة هي نفوس الأنبياء والأولياء - صلوات اللّه عليهم من الملاء الأعلى - كل منها كتاب مبين مشتمل بحسب ما أودعه اللّه فيه على حقائق العالمين وأسرار النشأتين وخلاصة ما في الملك والملكوت ، ونقاوة ما في عالم الجبروت ، واصطفى من بين الآدميين كلمة جامعة إلهية أوتيت جوامع الكلم ، ونورا ربانية فيه مجامع الحكم ، و بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ كان ذاته « يس » وخلقه « القرآن الحكيم » وهو « من المرسلين